أسطورة الكهف والواقع الجديد

اجنادين نيوز / ANN
الدكتور صلاح حمادي الحجاج
تُعَدُّ أسطورة الكهف للفيلسوف اليوناني (أفلاطون) من أكثر الرموز الفلسفية تعبيرًا عن العلاقة بين الإنسان والفكر، وبين الحرية والعبودية، اذ صوّر (أفلاطون) البشر من خلال اسطورة الكهف كأسرى لظلال الواقع، يعيشون وسط الزيف والوهم مقيدين بقيود هم وضعوها بأنفسهم، غير قادرين على إدراك الحقيقة إلا من خلال التحرر وكسر القيود. لكن (افلاطون) اشترط ان يكون المتحرر هو بمنزلة عالما او فيلسوفا، ولا يمكن للإنسان العادي بلوغه، فيكون السؤال هنا مع كل هذه التحولات الكبرى التي شهدها العصر الحديث— من التكنولوجيا والتطور إلى وسائل الإعلام والذكاء الاصطناعي وغيرها — هل ما زالت هذه الرؤية صالحة؟ هل مازلنا اليوم نعيش في “كهوف” جديدة، أكثر تعقيدًا؟ وكيف الخلاص منها؟.
(أفلاطون) في مواقفٍ عدة كان يرى أن الفيلسوف هو الوحيد القادر على إدراك الحقيقة، والوحيد الذي يمكن ان يصل الى بر الأمان، لأنه من خلال الأسطورة كان يروي قصة بطولة استاذه (سقراط) بينما يبقى عامة الناس في الكهوف أسرى للوهم، والخداع، هذه الرؤية يراها البعض تعكس نوعًا من التعالي، اذ يُقصي أفلاطون الإنسان العادي من إمكانية التفكير والاستنتاج. لكن هل يمكن أن نعتبر أن هذا النموذج ما زال قائمًا في يومنا هذا وبأشكال جديدة؟، وهل المعرفة والتحرر هي حكرا للعلماء والمفكرين فقط؟، وهل بإمكان الانسان العادي التحرر من القيود ولاسيما القيود الوهمية.
ربما تكون الإجابة مختزلة بمقولة قصيرة سبق وان ذكرتها وهي:(الايمان بفكر الاخر عبودية والشك أوسع أبواب الحرية). بمعنى ان الفكر الانساني لابد ان يمر من بوابة الشك، بوصف الشك البداية الحتمية لأي عملية تحرر. الشك اذن هو الخطوة الأولى للخروج من ظلال الكهف، فالإيمان المطلق بأي فكرة دون نقد يُبقي الإنسان في حالة خضوع دائم. كما قال (ديكارت): “الشك أساس اليقين”، فلا يمكن الوصول إلى الحقيقة دون المرور بهذه المرحلة الحاسمة والمهمة.
الشك وحده هنا لا يكفي، بل يجب أن يتبعه تمردا على الفكر القائم لأجل كسر القيود الفكرية، والتمرد هنا بوصفة مرحلة ثانية ليس مجرد رفض فقط، بل هو تحرّك فعلي ضد القيود التي تفرضها المؤسسات الفكرية والاجتماعية الدينية والاقتصادية المتحكمة بمصير الانسان، والتمرد حسب الرؤيا الوجودية ليس تدميرا، بل انه ذو طابعا ابداعيا يرفض من خلاله الشخص الاستسلام والقيود والاعذار الخارجية كونه يخلق المعنى عن طريق الفعل الحر.
وبعد الشك والتمرد، تأتي الثورة كفعل تغييري، سواء كان ذلك على المستوى الشخصي أو المجتمعي. الثورة قد تكون فكرية، ثقافية، علمية، أو حتى تقنية، مثل الثورة الرقمية الحالية المعقدة الهادفة الى التحرر الفكري، لكن يعود السؤال القديم هل تحررنا فعلًا أم دخلنا في “كهف جديد”؟
لان في عصر التكنولوجيا، أصبح الوصول إلى المعرفة أكثر سهولة، لكن هل يعني ذلك أننا تحررنا الإعلام الموجه، ومواقع التواصل الاجتماعي، وفقاعات المعلومات وغيرها قد تكون “كهوفًا حديثة” تحاصر الإنسان داخل دائرة ضيقة من الإدراك ربما نحن نعيش في “وهم الحرية”، حيث نظن أننا نرى الحقيقة، لكننا في الواقع لا نرى سوى ما يُراد لنا أن نراه.
وفي الختام إذا كان أفلاطون قد صوّر عملية التحرر بأنها اشبه برحلة فردية يقودها العالم – الفيلسوف، فإن واقعنا الجديد يفرض تحديات مختلفة. بوصف لم يعد للكهوف مجرد جدران ونار وظلال، بل أصبحت شبكة واسعة من التأثيرات السياسية العنصرية والعرقية والاجتماعية. لذا، يبقى السؤال قائما: هل يمكننا اليوم تحقيق تحرر حقيقي؟، أم أن كل عملية خروج من كهف، ما هي الا مجرد دخول إلى كهف آخر ربما يكون أكثر تعقيدًا؟