في دهاليز السؤال وحُلم الأمة.. وجدت خريطة التصحيح

اجنادين نيوز / ANN
مثنى المسني / صحفي و كاتب من اليمن
منذ أن خُلق الإنسان وهو يتأمل واقعه، ويسأل: هل ما أعيشه هو ما أستحق؟ هل هذه الحياة كما ينبغي أن تكون؟ وفي عمق هذه الأسئلة الفطرية، وُلدت الحضارات، ونهضت أمم، وتحطّمت أخرى. نحن لا نعيش لنُسلّم لما هو كائن، بل نعيش لنُحسّن، لنُغيّر، لنُعيد ترتيب الوجود بما يليق بنا كبشر.
وهكذا كانت بدايتي مع كتاب “التصحيح والبناء”، لا كقراءة عابرة، ولست كقارئ يفتح الكتب ليسرد الكلام كما يفعل العابرون. لستُ من أولئك الذين يلتهمون الصفحات بلا روح، ولا ممن يقرأ النصوص كما هي، جافة، باردة، خالية من التأمل.
أنا أقرأ بدافع البحث. بحث لا يُرضيه ظاهر الحروف، ولا يسكنه التسليم الأعمى. أقرأ لأهتدي، لأتغيّر، لأفهم.
كل فكرة أواجهها في النص ليست مجرد معلومة، بل مرآة أنظر فيها إلى الحقيقة، وسؤالٌ يُطرق على الأبواب.
لا أطلب من القراءة متعة مؤقّتة، بل أثرًا يبقى، ونورًا يكشف لي الطريق حين تشتدّ الظلمة.
أقرأ لأن في كل سطر احتمالَ خلاص، وفي كل كلمة بذرة يقظة.
لست قارئًا من أجل القراءة، بل من أجل الحياة. من أجل الحصول على تلك الإجابات التي تدور في داخلي: كيف نُخلّص اليمن من هذا العُقم السياسي، من هذه الحروب المتناسلة، من هذا التهالك الشامل؟
كنت أبحث عن فكرة تُنقذ، عن رؤية تُلهم، عن طريق لا يسلكه الطامعون، بل الحالمون، فوجدت نفسي أمام كتاب لم يأتِ ليُجمّل الواقع، بل ليعرّيه، ويُعيد تشكيله برؤية جديدة.
المؤلف، باسم فضل الشعبي، لم يكتب تحت ضوء المصالح، بل تحت لهب القلق الوطني، ومن رحم الإخلاص لوطن أنهكه كل شيء إلا الحُب.
في كل سطر من الكتاب، تتجلى الفكرة الكبرى: أن الإنسان مخلوق مفطور على السعي نحو الأفضل، وأن الأمة، مهما تقهقرت، لا تفقد قدرتها على النهوض. اليمن رغم الجراح، لم تفقد بوصلة الروح. فقط كانت بحاجة إلى من يُعيد الإمساك بها، وهذا ما فعله هذا الكتاب. فهو لا يقدّم وصفة سطحية للإصلاح، بل يفتح أبوابًا لفهم أعمق للأزمة الوطنية، ثم يضع خريطة الحل بوعي وطني حقيقي.
ما شدّني في هذا الكتاب، ليس فقط مضامينه السياسية والفكرية، بل أيضًا الطريقة التي كُتب بها: ناضجة، متّزنة، خالية من الغلو والمبالغة. يناقش الدولة المدنية لا كترف، بل كضرورة وجودية. يتحدث عن المصالحة الوطنية لا كحل وسط، بل كشرط لبقاء الوطن. يتناول الحريات، العدالة، التنمية، والهوية، برؤية متوازنة ترى اليمن وطنًا للجميع، لا ساحة لتصفية الحسابات.
التيار الوطني للتصحيح والبناء، الذي يمثله هذا الكتاب، لا يسعى لإنتاج نخبة جديدة تحلّ محل الأفكار القديمة، بل لتأسيس عقل وطني جامع. عقل يرى في الاعتراف بالخطأ نقطة بدء، وفي العمل المشترك طريقًا، وفي الشفافية والمساءلة ضمانًا لبقاء الدولة.
قرأت هذا الكتاب لأنني لم أعد أؤمن بأن الحياد موقف، ولأن الصمت في زمن الانهيار خيانة لروح الأمة. قرأته لأنني أرفض أن أكون مجرد شاهد على سقوط وطن. قرأته لأنني ككثير من أبناء هذا الوطن الذين يؤمنون بأن اليمن تستحق الأفضل، وأن النهوض يبدأ بالفكرة، بالرؤية، بالإيمان بأننا لا نُخلق لنُقاد، بل لنقود مصيرنا بوعينا.
وجدت في الكتاب مرآة لما نعيشه، وفي الوقت ذاته خريطة لما يمكن أن نكون عليه. وجدت مشروعًا يمنحني الأمل في أن التغيير ليس مستحيلًا، إذا توفرت الإرادة، والرؤية، والمبادرة.
إن “التصحيح والبناء” ليس مجرد عنوان لكتاب، بل عنوان لمرحلة، ونداء لضمير كل يمني. هو مرآة، وبوصلة، وخارطة طريق. دعوة لأن نؤمن من جديد، ونبدأ من جديد. وها أنا أكتب هذه الكلمات لا لأمدح الكتاب، بل لأشارك أثره في الواقع. فبعد قراءته لم أعد كما كنت. لم أعد أكتفي بالسؤال. الآن أحمل جزءًا من الجواب، وأدعو غيري لحمل الباقي.